تخطَّ إلى المحتوى
تسجيل الدخول
التاريخ الإسلامي

حصار مكة وقصف الكعبة في عهد يزيد بن معاوية: دراسة تاريخية

hammadJuly 29, 20261 دقيقة قراءة5 مشاهدة

​تُعد حقبة الفتنة الثانية في التاريخ الإسلامي المبكر واحدة من أكثر المراحل دموية واضطراباً، ومن أبرز محطاتها الدموية تلك الأحداث المرتبطة بولاية يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (60-64 هـ / 680-683 م). فعندما تولى يزيد الخلافة بعد وفاة أبيه، رفض بيعته عدد من كبار الصحابة وأبنائهم، كان في مقدمتهم الإمام الحسين بن علي وابن الزبير رضي الله عنهما. وبعد مأساة كربلاء واستشهاد الحسين، لجأ عبد الله بن الزبير إلى مكة المكرمة معلناً رفضه القاطع لسلطة الأمويين، واتخذ من البيت الحرام ملاذاً ومنطلقاً لمعارضته السياسية، مما أدى لاحقاً إلى واحدة من أكثر الحوادث إيلاماً في الوجدان الإسلامي، وهي حصار مكة وقصف الكعبة المشرفة.
​الخلفية السياسية وبداية الأزمة

​لم تكن العلاقة بين أهل الحجاز والدولة الأموية في دمشق على ما يرام؛ فقد اعتبرت النخب السياسية في مكة والمدينة أن ولاية يزيد جاءت بطريقة توريثية تخالف الشورى التقليدية. ومع إعلان عبد الله بن الزبير نفسه عائداً إلى الاحتماء بحرم الله، تزايد التفاف الناس حوله رافضين الخضوع لسطوة الشام.
​تطور الأمر عسكرياً عندما ثر أهالي المدينة المنورة وخلعوا بيعة يزيد وطردوا بني أمية منها في واقعة عُرفت بـ “وقعَة الحرة” سنة 63 هـ. على إثر ذلك، وجه يزيد جيشاً كبيراً بقيادة مسلم بن عقبة المري (والذي لُقب مسرفاً نظراً لشدته) لإخضاع المدينة، وبعد انتهائه منها توجه الجيش نحو مكة للقضاء على ثورة ابن الزبير. وتوفي مسلم بن عقبة في الطريق، ليخلفه على قيادة الجيش القائد العسكري الحصين بن نمير السكوني.
​تفاصيل الحصار وقصف الكعبة
​وصل جيش الشام إلى مكة في شهر سبتمبر من عام 683 م (الموافق لمحرم سنة 64 هـ)، وفرض حصاراً محكماً على المدينة استمر لأكثر من شهرين. ولما تحصن عبد الله بن الزبير ومن معه داخل المسجد الحرام مستندين إلى قدسية المكان، وجد القائد الأموي الحصين بن نمير أن الاقتحام المباشر للمنطقة الوعرة مستحيل، فلجأ إلى التكتيك المعتاد في حروب الحصون وهو استخدام “المنجنيق” لرمي التحصينات.
​نُصبت المجانيق على جبال مكة المحيطة، وتحديداً على جبل أبي قبيس، وبدأ قصف الحصار. وتشير المصادر التاريخية المعتمدة -مثل تاريخ الطبري والبداية والنهاية لابن كثير- إلى أن الحجارة والنيران اشتعلت نتيجة هذا القصف المستمر. وقد أدى ذلك إلى احتراق أستار الكعبة وسقفها وجزء من جدرانها الخشبية، فضلاً عن تأثر الحجر الأسود من شدة النيران والحرارة.
​الجدل التاريخي حول المسؤولية والقصد
​يثير موضوع “قصف الكعبة” نقاشاً واسعاً بين المؤرخين والباحثين المسلمين من حيث النية والمسؤولية:
​الرواية الأولى (التي تحمل الأمويين المسؤولية المباشرة): ترى أن إصرار جيش يزيد بقيادة الحصين بن نمير على قصف الحرم بالمنجنيق رغم قدسيته يُعد انتهاكاً صارخاً لحرمة بيت الله، بغض النظر عن ما إذا كان المقصود ضرب ابن الزبير أو البيت نفسه، إذ إن الرمي العشوائي بالمنجنيق على مساحة ضيقة تحوي الكعبة كان يقيناً سيصيبها بالأذى.
​الرواية الثانية (التي تبرر القصد المباشر): يذهب محققو أهل السنة والجماعة -مثل ابن تيمية والذهبي وابن كثير والصلابي- إلى أن يزيد بن معاوية وقادته لم يكونوا يقصدون أبداً إهانة الكعبة أو هدمها لذاتها، بل كان قصدهم محاربة الخارج عن طاعتهم (عبد الله بن الزبير)، وأن الحريق نشب إما نتيجة شرارة تطايرت من نيران أصحاب ابن الزبير أو بسبب القصف العسكري العرضي، بدليل أن الأمويين أنفسهم كانوا يعظمون الكعبة، ولم يكن في عقيدتهم استحلال البيت الحرام قصداً.
​خاتمة الحصار ونهاية الأحداث
​استمر الحصار العنيف وقصف المنجنيق حتى شهر ربيع الأول سنة 64 هـ، وتوقف فجأة إثر وصول الأنباء العاجلة من الشام بوفاة الخليفة يزيد بن معاوية. وعندما علم الحصين بن نمير بموت يزيد، اختلت منظومة القيادة وسقطت معنويات الجيش الأموي، فعرض على ابن الزبير الصلح وترك مكة، وعاد الجيش إلى الشام دون أن يحقق هدفه في إخضاع ابن الزبير. وبقي ابن الزبير في مكة حيث بادر لاحقاً إلى هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم عليه السلام، قبل أن تعود للانهدام مرة أخرى في عهد عبد الملك بن مروان على يد الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 73 هـ.
​المراجع والمصادر التاريخية
​تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك) – محمد بن جرير الطبري، دار التراث، بيروت (جزء أحداث سنة 64 هـ).
​البداية والنهاية – إسماعيل بن عمر بن كثير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
​تاريخ الخلفاء – جلال الدين السيوطي، مطبعة المعارف، القاهرة.
​حصار مكة وقائع الفتنة الثانية – دراسات في تاريخ الدولة الأموية وتحليلات الطبري والذهبي.
​الدولة الأموية: العوامل الفاعلة والتداعيات النرجسية – د. علي محمد الصلابي، دار ابن الجوزي.

أحسنت! أنهيت هذه المقالة.

أكمل رحلتك المعرفية من هنا

أضف تعليقًا

Your email address will not be published. Required fields are marked *