بحيرة ناترون المكان الذي يحول الحيوانات إلى تماثيل حجرية
تضم قارة أفريقيا واحدة من أغرب البحيرات على وجه الأرض وهي بحيرة ناترون الواقعة في شمال تنزانيا بالقرب من الحدود مع كينيا. وقد اكتسبت هذه البحيرة شهرة عالمية بسبب الصور التي تظهر طيورًا وحيوانات تبدو وكأنها تحولت إلى تماثيل حجرية بعد ملامستها لمياهها.
تتميز بحيرة ناترون بتركيبة كيميائية فريدة تجعل مياهها شديدة القلوية. ويرجع ذلك إلى تدفق معادن غنية بكربونات الصوديوم من البراكين المحيطة بها. وقد يصل الرقم الهيدروجيني للمياه إلى مستويات مرتفعة جدًا تجعلها غير مناسبة لمعظم الكائنات الحية.
كما ترتفع درجة حرارة المياه في بعض المناطق لتتجاوز خمسين درجة مئوية نتيجة المناخ الحار وقلة الأمطار ومعدل التبخر المرتفع. وعندما تنخفض كمية المياه تزداد نسبة الأملاح والمعادن الذائبة بصورة كبيرة.
وتنتشر على شواطئ البحيرة أحيانًا جثث طيور أو خفافيش نفقت بعد اصطدامها بسطح الماء أو سقوطها فيه. وبعد تعرضها للمياه الغنية بالأملاح تتغطى أجسامها بطبقة من الرواسب المعدنية تجعلها تبدو كأنها منحوتات حجرية. وهذه الظاهرة ليست تحولًا حقيقيًا إلى حجر بل عملية حفظ طبيعية ناتجة عن تراكم الأملاح والمعادن على الأنسجة الخارجية.
وعلى الرغم من قسوة البيئة فإن البحيرة تعد موطنًا مهمًا لأحد أنواع طيور النحام الصغير. فقد تكيف هذا الطائر مع الظروف القاسية ويعتمد على البحيرة كموقع رئيسي للتكاثر لأن معظم الحيوانات المفترسة لا تستطيع العيش في هذه البيئة.
وتنمو في البحيرة كائنات دقيقة تعرف بالطحالب المحبة للملوحة وهي مصدر الغذاء الأساسي لطيور النحام. كما تمنح هذه الطحالب المياه لونًا أحمر أو برتقاليًا في بعض أوقات السنة نتيجة احتوائها على أصباغ طبيعية.
وقد جذبت بحيرة ناترون اهتمام العلماء والمصورين من مختلف أنحاء العالم بسبب طبيعتها الفريدة. وأظهرت الدراسات أن الظروف الكيميائية القاسية التي تبدو مدمرة لمعظم الكائنات توفر في الوقت نفسه بيئة آمنة لبعض الأنواع المتخصصة التي لا تستطيع العيش في أماكن أخرى.
وتذكرنا بحيرة ناترون بأن الطبيعة قادرة على تكوين بيئات تبدو غريبة وخطيرة لكنها تؤدي دورًا مهمًا في الحفاظ على التنوع الحيوي. فما يبدو غير صالح للحياة بالنسبة لمعظم الكائنات قد يكون الموطن المثالي لأنواع أخرى تكيفت مع هذه الظروف عبر آلاف السنين.